السيد كمال الحيدري
30
كتاب المعاد (شرح الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي)
إشارات النصّ التناسخ والمعاد يُعدّ التناسخ محاولة لتصوير مصير فئة من الناس إذا فارقت نفوسهم الأبدان . فهو يفيد بأنّ النفوس التي اكتسبت ملكات رديئة وهيئات فاسدة مصيرها ومعادها ومآلها إلى أبدان حيوانات مناسبة لتلك الملكات والهيئات ، فهي - هذه الأبدان - جهنّم أُولئك الذين أساؤوا ، وأسرفوا في البُعد عن صراط الإنسانيّة ، وهي التي وُعد بها هؤلاء على لسان الكتب السماويّة والأنبياء ، وهو ما أفاده أهل الحكمة والمعرفة ، وإلّا فما ذنب هذه الحيوانات التي يستعبدها الإنسان ، ويسخّرها لمصالحه ، فيجهدها بالأثقال ، ويوسعها تعنيفاً إذا ما حرنت ، ويأكل لحومها ، ويبيعها ، ويشتريها ، وغير ذلك من ممارسات كلّها عذاب وضنك وشقاء ، وهي تدرك كلّ هذا ، وهو ما يزيد في ألمها ، فهي تدرك - والعهدة على صاحب هذا المبدأ - أنّها كانت إنساناً ذا مقام عالٍ ومكانة رفيعة - مثلًا - تؤمر فتُطاع ، وترغب فتُجاب ، فإذا هي دابّة مهانة ، لا رأي لها ، ولا رغبة ولا كرامة لها عند الكلّ ، فالصغار يعابثونها ؛ يضربونها ويهربون ، والكبار لا همَّ لهم إلّا ظهرها ومدى تحمّلها ، وجلدها في حمل متاعهم ومحاصيلهم . لولا أنّ هذه الدابّة كانت إنساناً ارتكب الأفعال المشينة ، وتصرّف التصرّفات التي لا تليق ، فأكسبه كلّ ذلك الملكات والهيئات التي لا توجد إلّا عند الدوابّ ، وأدّى به ذلك الاكتساب إلى أن تنتقل نفسه بعد الموت إلى بدن حيوان مناسب لتلك الملكات ، لكان في الأمر ظلمٌ ، ما أنزه ساحة الباري عنه ! بعبارة أُخرى : لو لم يكن التناسخ حقّاً لكان إيجاد هذه الحيوانات التي تسخَّر ، وتجهد ، وتُهان ، ظلماً وأمراً يخالف العدل الإلهي ، والتالي باطل ، حيث ثبت في محلّه أنّه تعالى ، عادل لا يظلم .